التعامل مع الإعلام الإسرائيلي بين السذاجة ونظرية المؤامرة/ عزمي بشارة
14/06/2007 08:30
بسهولة غير محتملة يقع الإعلام العربي فريسة أية دعاية إسرائيلية مهما كانت شفافة. فبمجرد أن تنشر "يديعوت أحرونوت" أو "معاريف" أو "هآرتس" أو غيرها خبرا، فإن ذلك يعتبر سببا كافيا لكي ينتشر عربيا مثل النار في الهشيم. الخبر الإسرائيلي ينشر ذاته. فوسائل الإعلام العربية تكرر دون فحص ونقد ودون مقارنة مع ما نشر من قبل، وباتت تتنافس في تكرار ما ينشر إسرائيليا. فالاعتقاد رائج أنه إعلام ديمقراطي تعددي مستقل، وإذا أخطأ فهو يخطئ بحسن نية.
أما أن إسرائيل نفسها قد نشرت أن لديها وحدة في المخابرات العسكرية هدفها نشر الإشاعات في العالم العربي، وأنها مستغربة من سهولة ويسر تحقيق هذا النشر بحاملات عربية ساذجة، فهذا ما يغفل الإعلام العربي أن يكرره.
وقد يتجذر ما ينقل عن إسرائيل كلغة ومعلومة في الثقافة السياسية. ولا يوجد هنا متسع لحصر الظاهرة وتعداد هذا النوع من المصطلحات الإسرائيلية الأصل. ولكن غالبا ما يتبين أن النشر الإسرائيلي مغرض أو كاذب بعد أيام فقط من تكراره عربيا ومباشرةً بعد مباشرةِ التنظير ونشر التعليقات المعتمدة عليه، ونكاد لا نجد صحفيا أو محللا عربيا ممن سقطوا في الفخ يعترف بالخطأ ويحذر نفسه وغيره من الوقوع به مستقبلا. فالصحفيون في الحالات الجيدة يحاسبون السياسيين، ولكن من يحاسب الصحفيين؟ في الحالة الديمقراطية من يحاسب هو النخبة المثقفة من القراء التي لا ترحم في نقدها، والمحاسب هو الأخلاقيات الصحفية لا ترحم في نقدها الذاتي.
دفعني إلى هذا المقال عنوان مفاجئ في "يديعوت أحرونوت" قبل أيام (9 حزيران\يونيو) أن أولمرت بعث برسالة إلى الأسد يبلغه فيها استعداد إسرائيل للانسحاب الكامل من الجولان وانه ينتظر رده، وهل لديه نية بالسلام؟ تداول العنوان يحمل إرادة إسرائيلية مفروغاً منها بالسلام واختبار لا يتوقف للنوايا السورية… وهذا بحد ذاته موقف لا بأس من ترويجه.
ورغم أن هذا العنوان المفاجيء لا ينسجم، لا مع الموقف ولا الواقع ولا الصورة الإقليمية إلا أن هذا لم يحل دون تحوله أساسا لتنظيراتِ نهارٍ صيفي عن مأزق أولمرت ورغبته بالسلام. لقد تم التعامل بشكل غير حذر مع عنوان عن مصدر مجهول في صحيفة إسرائيلية. ولو صدر ذلك عن مسؤول على الأقل، حتى لو كان إسرائيليا، لشفع ذلك للتعامل الساذج. ولكن لا "يديعوت" هكذا "حاف"، ولا "هآرتس" و"معاريف" "هيك" تشكل مصدرا. وما لبثت أن توالت التكذيبات، من سوريا ومن إسرائيل.
وقبل أسبوع من اليوم كتبنا في نفس هذا المكان أنه يتوقع زيادة الإلحاح على سوريا بسياسة العصا والجزرة، واستغلال ما تفترض إسرائيل من دوافع سورية في ظرف إقرار المحكمة الدولية للانفتاح لشروط عليها مواتية لإسرائيل قبل التفاوض، ومنها مثلا جس نبض إمكانية شق تحالفها مع إيران إقليميا… أي الانتقال من شروط سورية للتفاوض إلى شروط إسرائيلية مسبقة. ويتابع المسؤولون الإسرائيليون تسريب الأسئلة الإسرائيلية حول خطط سوريا في المنطقة وأمنها وجيشها وعلاقاتها مع إيران والفصائل الفلسطينية وحزب الله وغيرها، وكل ذلك دون تعهد بالانسحاب الشامل بل بتأكيد إسرائيلي عام يتم تسريبه أن الأخيرة تدرك ثمن السلام مع سوريا.
سابقا جرى التسريب إسرائيليا عن رئيس سوري يكرر رسائل السلام الى إسرائيل كلما قابل أحدا. الوسيلة حاليا هي رمي الكرة في الساحة السورية بأن إسرائيل أرسلت اقتراحات ورسائل. بذلك يريح أولمرت نفسه من ضغط الرأي العام للبدء بمسار سياسي ناجح ما خوفا من تدهور الأمور إلى حرب خاصةً بعد فشل العدوان على لبنان.
ولم يوفر الإعلام الاسرائيلي لا الأتراك ولا الألمان ومؤخرا اليونان..لم يبق أحد. لا يجتمع مسؤول مع الرئيس السوري الا ويدعي الإعلام الإسرائيلي أنه يحمل رسائل من إسرائيل. وطبعا كان أي منهم سيفرح لو أتيح له لعب دور من هذا النوع. ولكن أي كلام يصبح رسالة إذا شاءت إسرائيل أن تسرب. فمجرد أن يستمع شخص إلى تحليلهم ثم ينقل انطباعه هو كما يفعل الناس عادة عن هذا التحليل، فإن هذا يكفي في عرفهم للتسريب أنه يحمل رسالة. مع أن هذا في لغة السياسيين يسمى اجتماعاً، وقد لا يكون حتى اجتماعا وديا، بل مجرد اجتماع يستمع فيه المرء إلى وجهات النظر المختلفة.
الرسالة هي موقف ملزم، الهدف من قوله هو نقله إلى الطرف الآخر والاستماع إلى جواب. أي أن الرسالة تتطلب أن يتفاعل معها الطرف الآخر كأنها رسالة. ولا يفترض أن يدخل السوريون في مثل هذه اللعبة إذا لم يسبقها تعهد إسرائيلي بالانسحاب من الجولا
المزيد